تبدّد الواقع: حين تبدو الأشياء غير حقيقية
حين يبدو العالم مسطّحًا، بعيدًا، أو غير حقيقي، وطريقة لطيفة تعيدك خطوة صغيرة إلى الغرفة.
تبدّد الواقع، أي أن يبدو العالم مسطّحًا أو بعيدًا أو غير حقيقي، هو غالبًا استجابة الجهاز العصبي لحملٍ زائد، لا علامة خطر، وهو يميل إلى الزوال. مقاومته تجعله يلتصق أكثر، أمّا العودة اللطيفة إلى حواسّك مع نفَسٍ بطيء يطول فيه الزفير فقد تساعدك على الشعور بأنّك هنا أكثر قليلًا.
أحيانًا يصبح العالم غريبًا. الغرفة هي نفسها كما كانت دائمًا، لكنّها تبدو مسطّحة، بعيدة، كأنّك تنظر إليها من خلف زجاج أو على شاشة متأخّرة قليلًا. الألوان ليست في مكانها تمامًا. أصوات الناس مكتومة، أو ليست حقيقية تمامًا بطريقة يصعب وصفها. وتحت ذلك كلّه ذعرٌ خافت: ما الذي يحدث لي؟
إن مررتَ بهذا الشعور، فقد يكون مخيفًا حقًا، لأنّه عصيّ على الوصف من جهة، ولأنّ الإحساس باللاواقعية قد يلتفّ حول أفكارك أنت أيضًا فيجعلك تتساءل إن كان شيءٌ ما خطأً في العمق. فلنبدأ من هنا: هذه التجربة لها اسم، وهي أكثر شيوعًا ممّا يظنّ الناس، وهي في ذاتها ليست خطيرة.
ما يكون عليه غالبًا
تبدّد الواقع هو إحساس بأنّ العالم من حولك غير حقيقي أو منفصل عنك. وله قريبٌ لصيق، تبدّد الشخصية، حيث تكون أنت مَن يبدو غير حقيقي، كأنّك تراقب نفسك من الخارج. وكثير من الناس يختبرون الاثنين معًا.
لدى كثيرين، هذه استجابة العقل لحملٍ زائد. حين يشتدّ التوتّر أو القلق أو الإرهاق أو الهلع، قد يخفّض الجهاز العصبي درجة الحيوية التي تختبر بها الأشياء، أشبه بقاطعِ تيّارٍ عاطفي. الأمر مقلق، لكنّه غالبًا محاولة من الدماغ لحمايتك، لا انهيارٌ فيه. واللحظات القصيرة منه اعتيادية أكثر ممّا تتوقّع، خصوصًا بعد نومٍ رديء، أو قلقٍ شديد، أو موجة هلع.
يميل هذا الشعور إلى أن يأتي مع القلق، ثم يأتي القلق من الشعور نفسه فيجعله يبقى أطول. مجرّد ملاحظة هذه الحلقة، بلطف، قد ينزع شيئًا من قوّتها.
أنت لا تُجبر الشعور على الانقشاع، أنت فقط تعود بلطف إلى الغرفة.
العودة بلطف
لا يمكنك عادةً أن تُجبر الشعور باللاواقعية على الانقشاع عند الطلب، ومحاربته تميل إلى شدّ الأمور أكثر. ما يساعد غالبًا هو أن تُرسي نفسك ببطء في اللحظة الحاضرة، أن تذكّر حواسّك بأنّك هنا، في غرفة حقيقية، وبأنّك في أمانٍ كافٍ الآن.
هنا يمكن لنفَس التأريض أن يساعد. لا بوصفه علاجًا، ولا شيئًا يجب أن «ينجح» بإتقان، بل شيئًا صغيرًا ثابتًا تتمسّك به. التنفّس البطيء، بزفيرٍ أطول قليلًا من الشهيق، يدفع الجهاز العصبي برفق نحو الهدوء. ومزاوجة النفَس مع حواسّك، أن تشعر بقدميك على الأرض، وأن تسمّي أشياء قليلة تراها وتلمسها فعلًا، تمنح انتباهك مكانًا صلبًا يحطّ عليه.
لن يُطفئ الشعور دائمًا، ولا بأس بذلك. الهدف فقط أن تشعر بأنّك هنا أكثر قليلًا، وأقلّ انجرافًا، حتى يمرّ. وهو يميل إلى أن يمرّ.
متى تمدّ يدك إلى الدعم
لحظة عابرة بين حينٍ وآخر لا تستدعي القلق عادةً. لكن يستحقّ الأمر حديثًا مع طبيب أو مختصّ في الصحة النفسية إن كان الشعور باللاواقعية متكرّرًا، أو يدوم طويلًا، أو يزعجك كثيرًا، أو يعطّل حياتك اليومية، وبالتأكيد إن جاء مصحوبًا بمزاجٍ منخفض، أو أفكارٍ عن إيذاء نفسك، أو أي شيء يبدو مخيفًا على نحوٍ أعمق. هذا ليس علامة على أنّك أخفقت في التأقلم. إنّه تمامًا مثل مراجعة أحدهم لأي عرَضٍ مستمرّ، وهناك مَن يفهم هذا جيّدًا ويستطيع المساعدة.
يمكن لعمل التنفّس أن يجلس إلى جانب ذلك الدعم، لا أن يحلّ محلّه أبدًا.
إن أحببت، حين تبدو الأشياء غير حقيقية قليلًا، جرّب نفَس التأريض، بطيئًا، سهلًا، وقدماك على الأرض، ودَعْه يعيدك خطوة صغيرة إلى الغرفة. بلا ضغط. إنّه هنا متى احتجت إليه.
جرّب هذا الآن
قدمان، نفَس، غرفة
- دَع قدميك تشعران بالأرض ودَع نفَسك يخرج ببطء، أطول قليلًا ممّا دخل، بلا جهد وبلا حبس.
- ليّن الزفير التالي مرّة أخرى، ودَعْه يغادر وحده.
- سمِّ في هدوء ثلاثة أشياء تراها وشيئًا واحدًا تلمسه، وليكن ذلك كافيًا.
ما تقوله الأبحاث
دراسات حقيقية، ملخّصة بصدق · اتبع أي رابط لقراءة المصدر.
ارتبطت جلسة واحدة مدّتها خمس دقائق من التنفّس البطيء (نحو 6 أنفاس في الدقيقة، بزفيرٍ أطول من الشهيق) بارتفاعٍ في تغايُر معدّل ضربات القلب المرتبط بالنغمة المبهمية وبانخفاضٍ في القلق اللحظي لدى البالغين الأصغر والأكبر سنًّا على السواء، بما يدعم الادّعاء المتواضع في هذا الدليل بأنّ نفَس تأريضٍ بطيئًا قد يدفع الجهاز العصبي برفق نحو الهدوء.
Magnon V, Dutheil F, Vallet GT (2021), Scientific Reports
اقرأ الدراسة ↗عبر دراساتٍ على بالغين أصحّاء، مال التنفّس البطيء إلى الارتباط بتحوّلٍ نحو النشاط الباراسمبثاوي وبانخفاضاتٍ مُبلَّغٍ عنها في القلق والاستثارة، وهو ذلك الانحدار اللطيف الذي يصفه الدليل، لا علاجًا يعمل عند الطلب.
Zaccaro A, Piarulli A, Laurino M, Garbella E, Menicucci D, Neri B, Gemignani A (2018), Frontiers in Human Neuroscience
اقرأ الدراسة ↗في تجربة عشوائية، ارتبطت خمس دقائق يوميًا من التنهّد الدوري، أي التنفّس بزفيراتٍ ممتدّة، بتحسّنٍ أكبر في المزاج وبانخفاضٍ أكبر في معدّل التنفّس، بما يردّد تأكيد الدليل على ترك الزفير يمتدّ أطول قليلًا.
Balban MY, Neri E, Kogon MM, Weed L, Nouriani B, Jo B, Holl G, Zeitzer JM, Spiegel D, Huberman AD (2023), Cell Reports Medicine
اقرأ الدراسة ↗وجدت تسجيلاتٌ من داخل الجمجمة أنّ التنفّس الأنفي الطبيعي ارتبط بمزامنة إيقاعات الدماغ في المناطق الحوفية المرتبطة بالعاطفة والذاكرة، وهو سببٌ معقول لأن تساعد مزاوجة النفَس البطيء مع الانتباه للحظة الحاضرة على إرساء عقلٍ منجرفٍ يشعر باللاواقعية، مع أنّ هذا بحثٌ في الآلية لا ادّعاء علاج.
Zelano C, Jiang H, Zhou G, Arora N, Schuele S, Rosenow J, Gottfried JA (2016), Journal of Neuroscience
اقرأ الدراسة ↗أسئلة شائعة
هل تبدّد الواقع خطير؟
في ذاته، تبدّد الواقع العابر ليس خطيرًا، فهو غالبًا طريقة العقل في خفض الحدّة حين يشتدّ التوتّر أو القلق أو الإرهاق، وهو يميل إلى الزوال. ومع ذلك، إن كان متكرّرًا، أو يدوم طويلًا، أو يزعجك كثيرًا، أو جاء مع مزاجٍ منخفض أو أفكارٍ عن إيذاء النفس، فأرجوك تحدّث مع طبيب أو مختصّ في الصحة النفسية. هذا تثقيف عام في الرفاه، لا نصيحة طبية.
هل سيوقفه تمرين تنفّس؟
ليس عند الطلب، وليس هذا هو الهدف. نفَس التأريض البطيء لن يُطفئ الشعور بشكل موثوق، إنّه فقط شيء صغير ثابت تتمسّك به بينما تعود إلى حواسّك. محاولة إجبار الشعور باللاواقعية على الانقشاع تشدّ الأمور عادةً، أمّا الاكتفاء بهدف أن تشعر بأنّك هنا أكثر قليلًا فهو ألطف ويميل إلى أن ينجح أكثر.
لماذا زفير أطول بدلًا من أنفاسٍ كبيرة عميقة؟
حين تبدو الأشياء غير حقيقية، قد يزيد التنفّس المجهِد أو القسري من الضيق. الزفير السهل الأطول قليلًا يميل برفق نحو الجانب المهدّئ (الباراسمبثاوي) من الجهاز العصبي، لذا فهو ألين وأكثر أمانًا هنا. أبقِه مسترخيًا، وتجنّب أي حبسٍ للنفَس، وتوقّف إن شعرت بدوارٍ أو توعّك.
المزيد للقراءة
قلق الصحة: حين يبدو كل إحساس تهديدًالماذا يجعل القلق إشارات الجسد العادية تبدو كأجراس إنذار، وكيف يمكن لنفَسٍ بطيء أن يليّن الهلع من دون ادّعاء تشخيص أي شيء.قلق الترقّب: رهبة الشيء قبل أن يحدثلماذا قد يكون الانتظار أثقل من الحدث نفسه، وزفير بطيء يُخرجك من حلقة الرهبة.قلق الصباح: لماذا تستيقظ مشدود الأعصابلماذا قد تستيقظ والقلق سبقك إلى الصباح، وطريقة لطيفة لملاقاة الساعة الأولى من اليوم.إن منحك نفَس شيئًا، يمكنك دعمه ←
ليست رعاية طبية · في الأزمات، أنت لستَ وحدك: findahelpline.com.
N A F A S